خبر / مقالة

كلمة السيد وزير التربية في ورشة العمل الوطنية لتنمية الإبداع والابتكار في المنظومة التربوية2003

كلمة السيد وزير التربية

سعادة الأخ الفاضل الأستاذ الدكتور حسن حطاب ممثل المنظمة العربية والتربية والثقافة والعلوم
أيتها الأخوات, أيها الأخوةأحيكم أطيب تحية, وأرحب بكم أجمل ترحيب في سورية الإبداع والالق والتفوق في مسيرتها عبر التاريخ, إذ إن ربوع بلادنا ما هي إلا رقائق من الحضارات المبدعة, وهل ثمة إبداع في تاريخنا القديم يعلو على ابتكار الأبجدية وتقديم هذا الابتكار إلى البشرية؟ ولا يظننَّ أحدنا أن اختراع الأبجدية عملية سهلة, إنها ليست كذلك, وإنما هي عملية تتطلب مستوى راقياً من التفكير ومن هنا عدُّ الباحث الفرنسي " A. Meillet" الذين اخترعوا الأبجدية من أكابر علماء اللغات في العالم, ولولا ما كانوا يتحلون به من مهارات عقلية راقية لما تم لهم اكتشاف هذه الأبجدية التي نقلت العالم آنذاك من الظلام إلى النور وكانت ثورة على الخطوط المألوفة في تلك الفترة
وفي تاريخنا الحديث كان القائد الخالد حافظ الأسد يتسم برؤية استراتيجية إبداعية ترصد المسارات وتحدد التوجهات على الصعد كافة, ولكم جنّب سورية ما حيك حولها من مؤامرات بفضل تلك الرؤية الاستراتجية الإبداعية, وها هو ذا القائد المبدع الرئيس بشار الأسد ينحو المنحى نفسه في مسيرة التطوير والتحديث وذلك في دعوته إلى أن بلوغ النجاح في هذه المسيرة إنما يعتمد الفكر المتجدد ويعني به الفكر المبدع الذي لا يتوقف عند حد معين, ولا يحصر نفسه في قالب واحد جامد, وكم نحن في حاجة إليه اليوم وغداً لدفع عملية التطوير قدماً إلى الأمام. ولكم كانت إشارته بليغة عندما أشار إلى أن بعضهم يعتقد أن الفكر المتجدد مرتبط بالسن أي يغلب وجوده عند الشباب, وهذا غير دقيق تماماً فبعض الأشخاص يدخلون سن الشباب وقد تحجرت عقولهم باكراً, وبعضهم الآخر من كبار السن يفارق الحياة وعقله ما يزال يضج بالحيوية والتجدد والإبداع
أيتها الأخوات, أيها الأخوة
منذ وقت قريب عقدت وزارة التربية بالتعاون مع المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة " الإسيسكو" ورشة عمل وطنية حول أساليب تعامل المعلمين مع الطلبة المتفوقين, وهاهي ذي الوزارة تعقد بالتعاون مع المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم " الإسيسكو" ورشة عمل أخرى حول تدريب المعلمين من أجل تنمية قدرات الطلاب المتفوقين الفكرية والعلمية والتقانية واستخدام الطرائق الابتكارية والاستكشافية في المدة الواقعة بين 17 و21 من الشهر الحالي
وما كان اهتمام الوزارة بهذا الموضوع ليتأتى لولا إدراكها العميق أن تفجير الطاقات الكامنة في العقول واتباع الأساليب الملائمة لإيصال أصحاب هذه العقول إلى أقصى ما تستطيع الوصول إليه إمكاناتهم وقدراتهم إنما هو توجه تربوي رائد يرتقي بالعملية التربوية ويحقق مراميها في النهوض بالمجتمع وتقدمه وارتقائه
ولئن كانت الأهداف المرسومة لهذه الورشة تتمثل في تنمية القدرات الابتكارية والإبداعية لدى المعلمين والطلبة وإشاعة العقلية النقدية لديهم فإن للدليل المرجعي في تقديم نماذج للإبداع وتنميته والتدريب عليه أهمية كبيرة في أعمال ورشتكم, إذ طالما توصي المؤتمرات والندوات التي تعقد في مجال الإبداع بضرورة وضع دليل مرجعي يساعد المعلمين على تنمية الإبداع ويبصرهم بالأساليب والطرائق التي يمكن اعتمادها في إطار الكشف عن الإبداع وتربيته
وإذا كانت أعمال ورشتكم تجمع بين الجانبين النظري والعملي وتتسم بالغنى في موضوعاتها ومحتوياتها من حيث تعرف المنهج الإبداعي في المدرسة وتقانة الإبداع ودورها في تشكيل العقل العربي, وآثار الإبداع ونتائجه في المؤسسات التعليمية, وبيان نماذج إبداعية وكيفية تنميتها فإنني أرى أن يتم التركيز في الورشة على الجانب العملي وأن تحظى الجوانب التطبيقية بالأهمية وقتاً وتدريباً نظراً لأهميتها في الحياة, إذ عليها يعوّل في إكساب المعلمين المهارات التي تنعكس إيجاباً على طلبتهم, وعليها يتوقف الفهم والتمثل واستمرارية التعلم
أيتها الأخوات, أيها الأخوة
إن العصر الذي نحيا تحت ظلاله يتسم بسمات متعددة بعضها إيجابي وبعضها الآخر سلبي, ومن السمات الإيجابية أنه عصر الرأسمال البشري وعصر الاستثمار في العقول البشرية على أنه أفضل أنواع الاستثمار, وأن بناء الإنسان لا يعلو عليه أي بناء آخر, على أن تبقى عملية اكتساب الخبرات في الحياة مستمرة مادام الإنسان على قيد الحياة. ومن هنا يحتل التأهيل والتدريب اهتماما خاصاً في جميع مجالات الحياة وعلى كل المستويات, ويجيء الاهتمام بتجارة العقول وتصدير الأفكار وتطوير البحث العلمي من خلال توفير بنيته التحتية التي تبدأ بالعقل المنظم مروراً بالمؤسسات البحثية وانتهاءً بالتقنيات الضرورية، وضرورة ربط ذلك كله بحاجات المجتمع التنموية كما وجه إلى ذلك السيد الرئيس بشار الأسد في خطاب القسم الدستوري عام 2000
ولئن كانت تربية الإبداع شأناً مجتمعياً فإن على المدرسة مسؤولية كبيرة تجاه تنميته و تربيته بغية تكوين عقول مبدعة تقدم أفكاراً جديدة و حلولاً غير تقليدية لمواجهة مشكلات الحياة
ومن أهم سمات المبدع الخروج عن المألوف و المرونة الإدراكية والدافعية والإحساس المتميز بالبيئة مع امتلاك قدر من الذكاء
ومن هنا كان التعليم البنكي التقليدي يتنافى والإبداع, وذلك لأن التلقين يخرّج عقولاً جامدة لا تؤمن بالحوار والنقد ولا بالحرية والديمقراطية, إذ إن الخريجين في ظلال هذا التلقين يتسمون بالتسلط تارة والخنوع تارة أخرى, كما يتسمون بالسلبية والتزمت والتعصب والتقرير و اللاعقلانية والجمود والرغبة القوية في مسايرة ما هو سائد ومألوف
والمعلم هو حجر الزاوية في المنظومة التربوية فإذا كان محباً لطلابه يتحلى بالروح الديمقراطية والمرونة في التفكير وسعة الأفق وقبول الرأي المخالف وتشجيعه للنقد كان مساعداً على توفير البيئة الإبداعية السليمة, فكم من قدرات كامنة تفتحت على أيدي المعلم المشجع والمعزز والمؤمن بالحوار الديمقراطي وعدم فرض الأفكار على الآخرين وإنما قبول الرأي الآخر!‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‌ وكم من قدرات وئدت بسبب الطرائق التقليدية والتركيز على الحفظ والذاكرة وحدها, وكان مقدراً لها أن تعطي أفضل العطاء, وأن تتبوأ ذرا الإبداع لو اتبعت الأساليب التربوية الجذابة في تنميتها!
إن مهارات التفكير التي لا بدَّ من التدريب عليها وصولاً إلى الإبداع هي الملاحظة الدقيقة والمقارنة والتصنيف والاستقراء والاستنباط وفرض الفروض والنقد والتأمل وتحليل الأخطاء واتخاذ القرار وحل المشكلات. ومن مهارات التفكير الإبداعي الطلاقة والمرونة والأصالة والحساسية الزائدة تجاه المشكلات
إلا أن اكتساب هذه المهارات يحتاج إلى توفير بيئة ملائمة في البيت والمدرسة والمجتمع. في المدرسة مضمون مناهج وطرائق تدريس وأساليب تقويم و مناشط وفعاليات, على أن يزين ذلك كله في البيت والمدرسة أسلوب الحوار وحسن الإصغاء للأسئلة غير المألوفة وتشجيع أصحابها واستخدام طريقة القدح الذهني في استثارة الأفكار وتوليدها
ولا بدَّ من الإشارة إلى أنَّ إبداع المبدعين لا بدَّ من أن يرتبط بالنزعة الإنسانية إذ إن ثمة اكتشافات في عالمنا المعاصر أنجزها الإنسان إن في اكتشاف الكواكب في كبد السماء, وأيضاً في سبره أغوار المحيطات, وإن في مجال الهندسة الو راثية, إلا أن هذا الإنسان الذي قدم الإنجازات الإبداعية في مختلف مناحي الحياة لم يستطع أن يحيا على الأرض إنساناً يتحلى بالقيم الإنسانية. ففي الوقت الذي كان فيه تقدم في التقانة وثوراتها المتلاحقة كان ثمة تأخر في المشاعر الإنسانية والعواطف الإنسانية وسيطرة لقانون القوة وشريعة الغاب على الصعيد العالمي وانحسار لقوة القانون
أيتها الأخوات, أيها الأخوة
إننا في منطقتنا العربية وانطلاقاً من حضارة أمتنا العربية في انتهاج المحبة والعدل وكراهية العدوان وتسلط القوي على الضعيف, سنظل نعمل للحياة الكريمة وتحقيق السلام الشامل والعادل, وسنبقى متمسكين بثوابتنا القومية في الدفاع عن الحق وعدم التنازل عن ذرة تراب واحدة للمحتل الإسرائيلي,هذا المحتل الذي جبلَّتُهُ العنصرية والعدوان وكراهية السلام, وسنبقى أيضاً متمسكين بالشرعية الدولية وقرارات مجلس الأمن الرامية إلى انسحاب المحتل الإسرائيلي من فلسطين والجولان والجزء المتبقي من جنوب لبنان,وسنظل في الوقت نفسه متحلين بالتفاؤل من أن أمتنا على الرغم من النكبات والأرزاء والمحن التي ابتليت بها في عصرنا الراهن لا بدَّ من أن تستعيد دورها الحضاري في مسيرة البشرية, إلا أنّ هذا التفاؤل يحتاج إلى عمل ودأب وإرادة وتركيز على تربية العقول وتنمية الإبداع
أقدم الشكر للخبراء الباحثين على أٌوراق العمل التي قدموها إلى هذه الورشة, وإلى المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم المظلة القومية التي بها نعتز, وأتمنى لضيوفنا طيب الإقامة وللورشة النجاح في تحقيق أهدافها
وفقنا الله جميعاً لما فيه خير أمتنا وتقدمها وارتقاؤها
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته